عن سنوات العار في سوريا…كيف تقتل عقلا؟

خميس, 2014-07-10 16:26

«تحية الى أمكنة بريئة في زمن مُدان»
«كرتوش».. مفردتي التركمانية الجديدة. أقولها بفخر وأنا أشير الى حردون ضخم يتشمس على حجرة كبيرة تحت شمس الجبل العفية. تضحك صاحبتي، وتزداد التجاعيد حول عينيها عمقا، وتمد يدها المعروقة النحيلة لتلمس كتفي برفق»فضّل عنا.. فضّل».. أحييها، وأمضي. وأتركها في انحناءتها أكثر ما تكون قربا الى الأرض، الأرض القديمة الطيبة، وليفتها، التي تطعم البقرة، والحاكورة، والزهور العطشى، والأحفاد المتراكضين تحت الشمس. الجدة العجوز بجديلتيها الناحلتين المخضبتين بالحناء، ووجهها المغضن دائم الابتسام. كانت دائما تستجيب لدعواتي وتبقى على قيد الحياة. ألمحها من أول الدرب في قعدتها على عتبة البيت، وأشكر المرأة الضئيلة المعجونة من حب. «لم تخيبيني يا ستي .. لا تزالين هنا، لا تزال بركتك في عالمنا».
سلام يا بيتها الذي في آخر التلة..
من دلال إفتكار الى سطوة مولانا السائق المعظم
 أهبط المنحدر برشاقة عشرينياتي. وسأمر ببيت الفران.. بطلة مزعومة تمسك قرارها بيديها وتفتله كما تشاء. هكذا تراني إفتكار، صديقتي الثانية. إبنة الفران. صديقة المثقفات (عاملة المقسم، والممرضات.. والباش مهندسة حضرتي).. ألوّح لإفتكار، تدعوني لسيجارة مسروقة بعيدا عن العيون الفضولية لقبيلة من أخوتها وأخواتها الصغار.. ضحكات أُريد لها ان تبدو ماجنة، واعترافات صغيرة عن الحب.. سحبة معلم عميقة من الدخان، تنفثها بجرأة كما يليق بمتمردة الضيعة. «إنتَ جوعان؟» لا تنسى ان تسألني بعد القهوة، أو قبلها، القهوة التي اقتنعت بعد جهد أن تصنعها لي من غير سكر «ليش إنتَ بيفكر أنا تركمان بخيل؟» اما الخطوة اللاحقة المفاجئة، فهي أن إفتكار نفسها أصبحت تشرب القهوة سادة. تخلّت عن ملاعقها الثلاث من المسحوق الابيض، فطريق المدنيّة يمر من هنا.
معاناتي مع القهوة لم تكن فقط مع إفتكار. كان الاستنكار المشوب بالعتب يتكرر في كل البيوت الصغيرة اللطيفة القابعة في ظل أشجار التفاح والجوز والرمان، تفوح منها رائحة التفاح المنعش والزعتر البري ممزوجة برائحة روث البقر. بيوت لطالما شربت قهوة اهلها وماءهم البارد الثمين خلال تجوالي بين القرى الصغيرة والبساتين في جبل التركمان. «أنت مهندس؟؟ فضّل عنا.. فضّل»، ثم يأتيني صحن التوت البري، او البذر المحمص، تغوص به أيادي الصغار الملطخة بسواد شقاوتهم ومغامراتهم.
 نهاية مغامرات اليوم تكون على الطريق العام. أمام مخفر الناحية. هنا يبدأ الانتظار المذل للباص. الديكتاتورات الصغار في الناحية هم سائقو الباصات. سائق الباص يشرب الشاي، أو يتحدث مع صاحبه، او يعقد صفقة مع آخر. سائق الباص دخل إلى الحمام، او يتناول فطوره من لحم الرأس في كراج اللاذقية. وبينما الركاب متكدسون في الباص في حرّ الصيف، حالهم حال الخضراوات واللحم داخل طنجرة على النار، يعدون الدقائق والمنعطفات المتبقية إلى وجهتهم بفارغ الصبر، يحلو للسائق ان ينعطف فجأة عن الطريق وتبدأ طجطجة طويلة على درب مجهول. صناديق تفاح تنتظر التحميل، ربطة خبز تنتظر التوصيل، فتاة على شباك تعده بابتسامة، تعليمات فرض الهيبة على الزوجة والأولاد. نزور في طريقنا من وإلى الجبلية مزارع، وديان وهضاب، ونحن في الطنجرة الكبيرة نكاد نصبح حساء. وهنا لا تعدم دفقات من رائحة فساء نفاذة. لا أحد يبدو عليه الإنزعاج او يحاول سد أنفه من غزو الرائحة الأليفة. طبعا ما عدا حضرتي. أما المشكلة الكبرى فهي حين يقرر سائق الباص الأخير، أنه لن ينزل اليوم الى المدينة.. أي شيء يمكن ان يكون السبب. اما العذر الشرعي الذي لا يجادَل فهو: في الناحية عرس اليوم. انتهى الموضوع، لا راد لهذا القرار، الباص هو عصب العرس. وانتظر على الطرقات قدر ما يحلو لك.
المنقذ في هذه الحالات، هو مخفر الناحية. فبإشارة واحدة من أحد العناصر تقف أكبر سيارة شحن.. ومهما كانت نوايا السائق تصبح الدنيا أماناً. فمن يجرؤ على ازعاج فتاة أوقف لها الشرطي بذاته السيارة؟ لكن التعارف المهذب، والذي قد يقود الى عرض زواج، لا يدخل طبعا في باب الاعتداء او الإزعاج. وهكذا كان عليّ أن اتعلم كليشة مناسبة لقطع دابر الحديث، والتنصل بلطف قدر المستطاع من عرض سخي، وإلا في النهاية من يمكنه أن يسائل سائق شاحنة إذا هدرت كرامته؟ 
بكالوريوس بائع متجول 
في الجبلِّية عملت نحو سنتين، او ربما ثلاث، يضيع الزمن هناك يستلقي على التل وينسى نفسه. كان ذلك في نهاية الثمانينات. تخرجت من كلية الهندسة المدنية، وكان تعيين المهندسين إجباريا. تلتحق بوظيفتك وتلتزم بها لخمس سنوات أو تنتهي الى السجن. إن أفلحت وتركت البلد، فلن يحق لك الحصول على شهادتك الجامعية، ولا العودة الى بلدك. كان نصيبي بلدية ربيعة (الإسم الجديد للجبلية) التابعة لمديرية الخدمات الفنية في اللاذقية… وفرحت به. كانت الجبال والبساتين، والفلاحون البسطاء، والطرق الملتوية صعودا الى حيث بخار الآلهة أكثر إغراء بكثير من مديرية الخدمات بجوها الموبوء ماديا ومعنويا. جاسوس بقرب جاسوس، مرتش ضد مرتش، ولعبة الكراسي طقس يومي. مكاتب مزدحمة وقذارة اسطورية، دناءة، نميمة، ومؤامرات، وسرقات، والواسطة في ابشع أشكالها.. حيز صغير في مشهد مكثف لبلد.  
بين الجبلِّية واللاذقية، كنت أشبه ببائع متجول، لكن ليس له من تجارته شيء.
ها أنا احمل علبة دواء فارغة، وأطوف على صيدليات اللاذقية، «عندكم من هالدوا؟». الجواب «لا!». حسنا الدواء ليس موجودا، ولكن لماذا هذه التقطيبة والازدراء؟ وحدها الصيدلانية فريال التي لا تتحرج من كلمتها، وبعد جردة سريعة لقائمة الزيجات الحديثة، والتي لم يكن فيها اسم الآنسة سليلة العفاف، سألتني باستغراب «لك شو قصتك؟ ليش بدك مانع حمل!؟».
وتابعت القيام بمهماتي التجارية. الزبدة البلدية تسيل على ملابسي، وسوركة التركمان الشهيرة تعطر ما تبقى، هي بضاعتي من الجبلية الى اللاذقية، والحلويات والأدوية وفستان العروس في الطريق المعاكس.  
افتتاحية عاطرة لحياة مهنية زاخرة
«ميجاريح يا اهل الهوا ميجاريح.. ميجاريح صرنا بحبك ميجاريح». ساعة كاملة وأنا أستمع إلى هذه الأغنية، تنتهي لتبدأ، ويقف الشريط لتقلبه يد خشنة بأصابع غليظة وأظافر قذرة. وأفكر بالمجارير، سأقيس عمقها حتى لو صب فوقها اسمنت. سأتأكد من قياس قطر الأنابيب، وسأجعله يستبدل المكسور منها، لو حشرني على درج البلدية مئة مرة، ومد إليّ كروز الدخان وكيلو القهوة، وعلبة المناديل الورقية. اطفئ سيجارتي، وأجيب بوقاحة فيها من الغضب بقدر ما فيها من الخوف «شكرا بطلت الدخان»، «نحن لا نستعمل كلينيكس، نمسح انوفنا بالشراشف».. الجملة الأخيرة لم أقلها فعليا.
في سيارة المتعهد البيك آب، وتحت رحمة خسته، طريق طويل، طويل علي أن اقطعه مرتين اليوم. «ميجاريح صرنا بحبك ميجاريح»… ومجارير الجبلية، فاتحة حياتي المهنية، تنتهي لتصب في النهر. تلويث صارخ، وحسب مخطط المشروع، ورغما عن أنفي. 
في  نهاية الثمانينات كما في بدايتها، كانت الصلاة جنحة، تتحول بسهولة إلى جريمة في حال تكرارها، وطبعا يتعلق الأمر بموهبة كاتب التقرير. مجزرة حماة، التي كان اسمها أحداث الـ 82 كانت لا تزال حاضرة، وبالطريقة التي أراد لها ان النظام ان تبدو، وكان ذلك قبل الصعود الميمون لموجة الإسلام (الصالح) البديل. إسلام كفتارو والقبيسيات، وقبل أن تتفشى مواضيع من قبيل عذاب القبر، والسبحة التي تدخل من الدبر وتخرج من الفم، ودعاء الدخول الى المرحاض، وهل يجوز للمرأة نزع ملابسها عند الاستحمام؟ كان مشهد فتيات الشبيبة اللواتي قمن بنزع حجابات النساء في شوارع مدن سورية عديدة لم يزل ماثلا في الأذهان.. إلا أن صديقي وزميلي المساعد الفني في البلدية، كثير الأبناء، وصاحب علبة الدواء مانع الحمل إياه، كانت ثقته بي كبيرة، لدرجة انه كان أمامي ينزع حذاءه، ويتجه بأمان تام الى الوضوء لأجل الصلاة «قدامك أنت، أنا ما بيخاف يصلي. بس قدام أمين الفرقة الحزبية؟ أعوذ بالله. يا لطيف شو بيكتب تقارير!».  
إفتكار التي تزوجت شابا يلبس جاكيت جلدية ويدخن، الطريق الصاعد إلى البلدية، أزهار بخور مريم بين الصخور، الوادي القابع تحت شباك مكتبي في البلدية، رئيس البلدية بأدبه الجم، وحساباته الطويلة، مجارير الضيعة، سيارات الشحن، عاملة المقسم بعينيها الصغيرتين كحبتي خرز وأذنيها المتخمتين بالأسرار، المدرسة بنوافذها المحطمة والأطفال وصخبهم النضر، أشجار الرمان، الباص، التنور، البقرة، تجارتي الخاسرة، أنا! .. كل هذا، أين؟
في جحر الخدمات الفنية 
ربما من الأفضل لهذا النص أن يتوقف هنا.. تحية متأخرة للبلدة الصغيرة الوادعة في جبال التركمان، كأنني لا أريد له ان يتحول الى بكائية على ما آلت اليه الجبلِّية اليوم.. على ما آلت إليه سوريا.. كأنني لا أريد أن امضي في تحليل الخنوع والخوف، كأنني لا اريد ان اقول ان سنوات الثمانينات كانت وصمة العار التي أوصلتنا الى ما كناه إلى ما قبل أربع سنوات.. لا أريد ان أقول كيف تبدأ حياتنا المهنية بقتل ممنهج لكل الحماس، ومحي ممنهج للقليل الذي تعلمناه. كأنني لا أريد أن اتذكر الفصل الثاني في حياتي كمهندسة بعد ان أنهيت تكليفي في الجبلية، وانتقلت الى مديرية الخدمات الفنية، كأنني لا اريد لكم ان تقرأوا الفقرة الأخيرة، لا أريد ان اشتم رائحة المراحيض العابقة في الممرات، لا أريد ان أرى نفسي وانا أساق كالنعجة الى مسيرة ابتهاجا بفوز الرئيس في الاستفتاء، لا أريد أن أقول انني حين كنت في قمة الحماس المهني كنت محظوظة بأن اتشارك مكتبي في الدائرة مع اربعة مهندسين فقط.، والكثير من الديدان السوداء المتشعلقة على الحيطان، ومجموعة أضابير قديمة غارقة بالغبار. على الباب يقف متعهد اسمه التيس، لقب استحقه بفضل لحيته المصبوغة بشعراتها الطويلة المتفرقة. رابط لثلاثة أيام أمام المكتب، يتحين خروج واحد منا بمفرده، ليستفرد به ويعده برشاوى لا تتعدى ثمن علبة الكلينيكس وكروز الدخان.. والسبب اننا كلجنة استلام قررنا ان نخصم له 2000 ليرة سورية (السقف الأعلى المسموح لنا) على مدرسة نفذها لصالح المديرية، فعدا عن الباحة التي يتجمع فيها ماء المطر كبحيرة، هناك الشابيبك التي يدلف منها الماء، والجدران التي احتلها العفن الرطب، والمغاسل التي لم يركب لها صنابير، فالخزان بالطريقة التي تم بها وصله بالأنابيب لا يمكن ان يتمخض يوما عن شيء من الماء، فلماذا التبذير؟ أما نحن، ففي الداخل نتابع مسابقاتنا في حل الكلمات المتقاطعة، وتصليح سخانة القهوة، ومراقبة الجدران فوق رؤوسنا، فالمفاجآت كثيرة، وقد تفاجئنا احدى الدودات في أية لحظة بسقطة كارثية، وربما مباشرة في فنجان القهوة. 
كأنني لا أريد ان أقول، لم أتعرض شخصيا لأي تهديد، لم يلاحقني واحد من المتعهدين الذين لاحقوا إحدى زميلاتي، لأن الحظ وحده جنبني أن أكون في لجنة استلام مشروعه.. لكنني ربيت حلما واحدا هو ان اخرج وبأي ثمن من تلك الحفرة.
* الجبلِّية (تلفظ الجيم بالطريقة المصرية) بلدة ومركز ناحية في جبال التركمان، يعتبرها النظام من معاقل الجيش الحر، وتتعرض بشكل مستمر للقصف من قبله.. فرض عليها اسم ربيعة. لم تكن قرى وبلدات سورية عديدة أفضل حالا، ألا يغير السادة اسماء عبيدهم وخدمهم؟ 

*شاعرة سورية

ندى منزلجي