في الذكرى الأولى لوفاته: أحمد ولد العبادي من عاش على شيئ مات عليه

ثلاثاء, 2020-11-17 16:58

هو أحمد ولد محمد عالى ولد أحمد(العبادي) ولد محمد عالي ولد أحمد بابو ولد سيد ولد محماده ولد ألمين ولد آج ولد مسعد ولد عثمان ولد عبد الرحمن الإجملاني الجد الجامع لقبيلة إدكجمله الشرفاء.
لُقب جد الراحل بالعبادي نسبة لخيمة اشتراها والده من أسرة تحمل ذلك الاسم، فاعتاد أهل الحي وذووه تمييزا لبيت نجلهم الجديد أن يُطلقوا عليه (خيمة أهل العبادي) ليُصبح هذا اللقب مع مرور الزمن اسم شهرة لفرع الراحل من عائلة أهل محماده.
تلك العائلة التي اشتهر فرعاها بكل خصال السيادة والصلاح وبالتميز في تحصيل العلم واستيعابه.
ولد الراحل سنة 1932 بنواحي مدينة مكطع لحجار الحالية، وكان رحمه الله رجلا أمة.
كان عدلا مبرزا، عابدا ورعا، صافي السريرة، نقي الطوية، متواضعا من غير ضعف، زاهدا في الدنيا، صبورا، كريما، واسع الصدر، حلو الحديث، بهي الطلعة، غزير العلم، يألف ويؤلف.
له رحمه الله مع العلم قصة طويلة، حيث انخرط في طلبه منذ نعومة أظافره، فحفظ القرآن وجوٌده في وقت مبكر.
وقد تولى تحفيظه والده محمد عالي مع قارئين آخرين من أبناء عمومته هما: محمد يونس ول أحمد والمفيد ولد بيوه. أما تجْويده فكان على يد العالم الجليل الناج ولد الطالب العالم، الذي استقر الراحل في محظرته برهة من الزمن آخذا عنه بعض العلوم الفقهية ليقرر بعد ذلك التنقل خارج مضارب القبيلة طلبا للعلم.
حيث قاده سفره إلى عدة محاظر منها على سبيل المثال لا الحصر:
محظرة أواه ولد الطالب ابراهيم ومحظرة الشيخ أحمد أبو المعالي التي أخذ العلم عن شيخها زيني ولد المحبوبي ثم محظرة مختور ولد اجميلي فمحظرة محمد محمود ولد أحمد الهادي.
وقد كان رحمه الله من أنبه الطلاب وأنجبهم، وله قصص معروفة تعكس تميزه وموهبته النادرة وهو في ذلك كما يُقال:
بأبه اقتدى عدي في الكرم
ومن يُشابه أبه فما ظلم
بعد استكماله دراسة وحفظ المتون التي كانت معتمدة في المحاظر في تلك الفترة عاد ليمارس التجارة وأثناء ذلك شارك في مسابقة لتكوين المعلمين في بداية الستينات فنجح متفوقا، وقد درٌس في عدة مناطق من الوطن ليختم مشواره الوظيفي مديرا للمدرسة رقم 1 بمكطع لحجار، فكان مديرا بحق وظل يربي الأجيال باقتدار مشهود، غارسا فيها العلم وقيم الجد والوفاء والإخلاص وسلامة الضمير وكل الخصال الفاضلة.
ويشهد كل من خالطه أو عمل معه بأنه كان مربيا نزيها وحكيما أريبا.
من خصائصه ومحامده الكثيرة تعلقه بالقرآن الكريم، فبالرغم من تضلعه الكبير في الفقه المالكي وتمكنه من اللغة العربية نحوا وصرفا وبلاغة وشعرا وموسوعيته في العلوم الشرعية الأخرى ، إلا أنه كان يُخصص أغلب وقته لمطالعة كتب التفسير، فكان مجلسه بين صلاة العصر والمغرب عامرا بمطالعة كتابٍ لأحد المفسرين وغالبا ما يكون الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، أو أضواء البيان لمحمد الأمين (آب) ولد أخطور ربما لخلفيتهما الفقهية والأصولية.
وأذكر أن آخر مرة حضرت فيها ذلك المجلس العامر بالعلم والفوائد كان يقرأ من سورة يوسف قول الله تعالى: " وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتاويله فأرسلون" فبعدما قرأ الأوجه التي أوردها القرطبي في تفسير "أمة" سرد علينا رحمه الله عددا من الفوائد والفرائد لبعض المفسرين الآخرين حول الكلمة مما يدل على سعة اضطلاعه وتضلعه في تفسير كتاب الله العزيز.
تلك لمحات يسيرة لا تُعطي والدنا حقه، ولا تبلغ جزءا ولو يسيرا مما ينبغي أن يكتب عن عظيم مثله، ولكن كما هو مقرر في القواعد الأصولية، ما لا يدرك كله لايترك الممكن منه، وحسبنا أن فقيدنا من طينة العظماء تلك الفئة التي تغادرنا أجسامهم أما أرواحهم فباقية تتجدد ثمارها ويتجذر أصلها
فكما قال الشاعر:
ما مات من مات محمودا خصائله
بل مات من عاش مذموما من الكذب
زرته في المستشفى إبان مرضه فكان مشتغلا بقراءة القرآن بالرغم من حالته الصحية الحرجة وظل كذلك كما ذُكر لي حتى خروج الروح من الجسد الطاهر، ومن عاش على شيء مات عليه.
فاللهم كما حفظ كتابك واشتغل به آناء الليل وأطراف النهار، اجعله شفيعا له واجعله من الذين يقال لهم: اقرأ وارق وارتق فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها.
أسلم الروح لبارئها بالمستشفى العسكري بانواكشوط، ونقل جثمانه الطاهر إلى مدينة مكطع لحجار حيث ووري الثرى بين أهله وذويه وقد سال حينها حبر كثير في رثائه وذكر مناقبه.
كتبه الدكتور أحمدو ولد أبي (بتصرف)
مراثي الفقيد
استذكارا للفقيد وترحما عليه، سنستحضر خصاله ومآثره الحميدة من خلال إعادة نشر المراثي الشعرية الفصيحة والشعبية التى قيلت فيه أيام وفاته.
ذلك أن المراثي تعتبر بمثابة ثناء حسن، وشهادة خير تنفع صاحبها بإذن الله، لما ورد في الحديث أنتم شهداء الله في أرضه.
وبهذه الخصوص فقد أرخ لوفاة الراحل نجله بهذه الأرجوزة المرثية:
فِي ضَحْوَةِ الْأَحَدِ مِنْ نُوفَمْبَرِي ///// الْعَامَ أَلْفيْنِ وَتِسْعَةً وَعَشَرِي
فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ بُعَيْدَ الْعَشْرَتِي ///// قَضَى فَقِيدُ الدِّينِ وَالْمُرُوءَتِي
أَجَلَهُ مُصْطَحِبًا لِلزَّادِ ///// مِنَ التُّقَى وَالَّرفْقِ بِالْعِبَادِ
فَأَفْجَعَ حَاضِرَنَا وَالْبَادِي ///// نَعْيُ الْكَرِيمِ أَحْمَدُ الْعَبَّادِي
الْعَالِمُ الْوَرِعُ وَالْفَهَّامَهْ ///// عَالِ الْمَقَامِ رَاسِخَ الْمَكَانَهْ
مَنْ كَانَ يَخْشَى رَبَّهُ مَوْلَاهُ ///// وَيَمْتَطِي دُنْيَاهُ لِأُخْرَاهُ
وَوَافَقَتْ وَفَاتُهُ لِلْمَوْلِدِي ///// أَكْرِمْ بِهِ مِنْ أَمْجَدٍ وَسيِّدِي
يُنْمَى لَخَيْرِ وَالَدٍ وَسَلَفِ ///// فَنِعْمَهُ مِنْ نسب وشرف
فَهْوَ الْمَسْعَدِيُّ الْإِجْملاَّنِي ///// أَسْكَنَهُ الْإِلَهُ فِي الْجِنَانِ
وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى مُحَمَّدِ ///// وَآَلِهِ وَصَحْبِهِ وَالْمُقْتَدِي
كما رثاه بهذه المقطوعة الرائعة الكاتب الصحفي الأديب والمؤرخ الكبير حمزه ولد سيد حمود:
إلى جنة الرضوان خُلْقٌ مُخَلَّقُ //// وصِدْقُ لِسَانٍ بِالْبيَانِ مُعَتٌق
وَرِفْقٌ يَعُمُّ الْأَقْرَبِينَ ومَنْ قَصَوْا //// ومَنْ غَرَّبُوا دَارًا عُمُومًا وشَرَّقُوا
وعَذْقُ عُلُومٍ بِالْجَنَى مُتَدَلِّيًا //// فَأَنَّى لِجَنْيِ الْعِلْمِ بَعْدُ تَحَقُّقُ
لَقَدْ عَاشَ نَيْفًا أحْمَدٌ بَعْدَ عَشْرَةٍ //// وَسَبْعِينَ حَوْلاً بِالْمَكَارِمِ تَعْبَقُ
حَوَى صَدْرُهُ نَصَّ الْكِتَابِ وَمَا حَوَتْ //// مَهَارِقُهَا مِصْرٌ وَفَاسٌ وَجُلَّقُ
تَرَبَّى وَرَبَّى بِالْعَقِيدَةِ مُمْسِكًا //// يَقَينًا إِلَيْهِ الشَّكُ لَا يَتَطَرَّقُ
وَفِي مَنْهَجِ اجْمُلاَّنَ نَاهِيكَ شَأْوُهُ //// تَجَافِي جُنُوبٍ دَأْبُهُ وَالتَّصَدُّقُ
وَنُسْكٌ وَإِسْبَاغُ الْوُضُو فِي مَكَارِهٍ //// عَلَى حِينِ جِلْدِ الْمَرْءِ مِنْهَا تَشَّقَقُ
وَمَا زَالَ مَشَّاءً إِلَى كُلِّ مَسْجِدٍ //// وَمَا عَاقَهُ عَوْقُ الْخُطَى وَالتَّحَقُقُ
أَثِبْهُ إِلاَهِي فِي الْجِنَانِ مَثَابَةً //// يَكُونُ لَهَ فِيهَا قُصُورٌ شَوَاهِقُ
وِصَلِّ عَلَى الْمُخْتَارِ مَا انْبَجَسَ الضِّيَا //// وَمَا سَبّحَتْ سِرًا وَجَهْرًا خَلاَئِقُ
ومن الشعر اللهجي رثاه الأديب اللبيب زكرياء ولد العالم بهذا النص الجميل:
مگطعْ لحجارْ اعليهْ انهارْ- اليومْ أخلعن وانهارْ
مافيهْ أخزامَ ماتجارْ_ عاگبْ مشيتْ أحمدْ خلَّ
گرظه من وخيرت ابلا عارْ_ وبلا دگه وبلا سلَّه
مايخل فمو من لذكارْ * ؤمنو مايخْلَ لمْصلٌ
بارك في اعيالُو يالقهارْ_ الْخلٌفْ لا يجبر زلَّ
ؤتطوال أعمارُومن لعمارْ_ ؤيسلكْ من تسدارْ الگلَّه
ومْعزينْ الخلقْ إعينُو_ وأهل عبادي والخلَّ
سيدي حمود امعزينُو_ وامعزينْ إدگجمله
كما رثاه الشاعر والفنان القدير الشيخ ولد حمدن ولد آب بهذه الطلعة الرائعة:
أمشَ ركنْ امن اركانْ - لكبيلْ ادٌور اتبانْ
هو ممشَ لعيانْ -هاذ الدهر إكدَّرْ
وامشَ قارىءْ قرآنْ -عنو ماكطْ افتَرْ
وامشَ راجل هدَانْ -ربَّ لجيال اظهرْ
فينَ مزٌاهْ الكانْ -خيرُ مايقدرْ
الرحمه والغفرانْ -والظل امع الكوثرْ
لكِّيهمْ يالسبحانْ -لحمد لايجبر ظرْ
شوفُ اكبيلُ راعيهْ -ماكطْ لكاهْ ابشرْ
فرْ ولايلكَ بيهْ * املِّ حدْ اوخَرْ
أما الفتى سيد أحمد ولد ذا النورين العلوي المعروف بسيد شنقيط فقد رثاه بهذه الطلعة من السهل الممتنع:
شفتْ الْخلقْ إلٌ هونْ * اظريكْ افتلفونْ
إعزٌ فاحمدْ دونْ* إذكٌرْ بالصفاتْ
إلٌ فاحمدْ من صونْ * ألسانْ ؤعِبداتْ
ؤخبرَ ؤتفنٌونْ* فالسٌيَرْ والآياتْ
والنحُو ماهْ ابهونْ* أنظامْ ؤمنثوراتْ
أخلفلُ يَللاهْ * الدنْيَ بالجناتْ
ؤباركلُ فابْناهْ * الْعيلْ والبناتْ
كما رثاه أحد أبنائه كذلك بهذا النص الشعبي:
امْشَ مُوَدَع لَلسبْحَانْ ------------ أحمدْ ومْشَ قَطبْ امْزَرَبْ
كانْ اعْلَ راصُ أمْن الشيطانْ --------- لاَ رَ افْقَبْرُ مَاهْ إلْيَرْغَبْ
صَدرُ امْشَ امْلاَنَ امْنَ الْقُرءَان ------ أُتَفسِيرُ، امْشَ صَدْرُ امْلاَنْ
امن السِيرَ، اجْعَلْهَالُ مَانْ ------------ أَمْنْ النَارْ أُلاَ يُعَذَبْ
ورْسَالةْ زَيدْ الْقيرَوانْ ------------ افْصَدْرُ ومْتُونْ المذْهبْ
اخْليلْ أُلَخضرٍ لَعيانْ ----------- وابْنُ عَاشرْ سَحْنونْ أَشْهبْ
ومْش فاللوغَ عنْدُ اعْنانْ--------- اللوغَ المبني والمُعرَبْ
للْفيَه أُلحمٍرارْ اقْرَانْ --------- اقبَظْهُمْ منْ كِيفنُ شَبْ
أُفالشعرْ أصَ فَاقْ أللقْرَانْ-------- فَاقْ أَللقْرانْ أعْقلْ وَدَبْ
ومْشَ مخْبرْ فَمْر الْبيظانْ---------- أُفالتاريخْ أُفَالنسبْ
يَعرْفْ أَعْلامْ اهْل رَوانْ -------- وَهلْ المَكفَ أُذاكْ الْمَسْهبْ
وَاعْلامْ الْقبْلَهْ ونْجَكانْ ------- وَاعْلامْ الساحلْ والمَسْرَبْ
واخْبارٍ فَيَامْ الْعرْبَانْ --------- إلْلٍ فالْمَشرقْ والْمَغربْ
وَاحْمدْ رَاجلْ فَيامْ الشَانْ-------- يُومْ الستْرَهْ وَايَامْ اصْربْ
للقبيلَه أوفود أَعْيانْ ---------- لاهِ تَصْلَحْ وَللَ تَرْأَبْ
لِلْعَدَاوَ ولْشَنآنْ---------- بيْناتْ الناس أَعْيَ يَنْشبْ
أوقتْ الشهادَهْ فمْشحانْ--------- أحمدْ مُبَرزْ ما يَكذبْ
أمْ أحْمَدْ فالْكرْمْ ألحسانْ-------- والتواضع والحلم أُمذْهبْ
الْحَلاَوَه امْعَ النَاسْ امْعَ الجِيرَانْ--------مثْلُ مَاهُ خَالكْ يقْلبْ
يامُلانْ افْتحلُ بِبانْ---------- الرَحْمَه والصراطْ إِجَلَبْ
منْ فَوْقُ سعيد أُفَرْحَانْ---------- وكْتَنُ للجنه أسْبَبْ
بصْلَ الجماعه أُزَينْ أَذانْ --------- صبحْ أُظهرْ عصرْ أُمغْربْ
وصْلاَةْ التهجد دَيْدَانْ --------- عندْ أحمدْ شابْ اعْلِيهْ أُشبْ
والتلاوَ ما واعِ قَرانْ ----------- يَبْتهلْ يَدعٍ يَتْقَرَبْ
وُالطهاره عندُ افْكل أوانْ--------- أُيسْوَ افْلقْريسْ ابْمَ لَقْربْ
وُالصْيامْ أَيَامْ الْحُمانْ ------------- إٍريفٍ وَلاَوَ تَلْهبْ
أُوَصَالْ الرَحيمُ وامْقَانْ--------- الْعندُ مَنْ رَحمْ أُعَصَبْ
أُخَدْمةْ لَعبادْ أَصَ مَيدانْ-------- عندْ أَحمدْ شَبْ اعْلٍيهْ أُطبْ
يارب اجْعلْ هاذَ افْميزانْ -------- حَسْناتُ لا يتفكد سبْ
بَ منُو واعْطيهْ الزْيدانْ --------- اكْصرْ فَالجنَه يتقَلبْ
فٍيهْ امْعاهْ الْحُورْ الْحسَانْ--------- وَحشْرُ امْعَ صفوةْ نُخَبْ
أَوْلادْ آدمْ سَيدْ عَدْنانْ--------- محمد مُنتهَى الأَرَبْ
واتْوَلَ أوْلادُ يالْمنانْ------------ وَوْهبْ الْهمْ يَامن تَهبْ
الْبرْكَه والْعلمْ ألِمَانْ---------- وِعُودُ أَلا فَعْلَ الرُتَبْ
وَرانِ امْعزِ أَهْل الْقرءانْ-------- وهْل السُنَ وَهلْ لَدَبْ
وَمْعَزً فِيهْ جَمْعْ اجْمُلاَنْ--------- وُتْلاَميدُ وَمَنْ يُحِبْ
وُمْصَلِ اعْلَ صَفْوةْ لَكْوانْ-------- أَخْيَارْ الْعَجمْ والْعَرَبْ
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
رحم الله السلف وبارك في الخلف.