الرشيد: حين تقاس المكانة السياسية بالحضور لا بحجم المسؤوليات

رسالة الخطأ

Deprecated function: preg_match(): Passing null to parameter #2 ($subject) of type string is deprecated in rename_admin_paths_url_outbound_alter() (line 82 of /home/amicinf1/public_html/sites/all/modules/rename_admin_paths/rename_admin_paths.module).
خميس, 2026-08-20 22:48

محمد سيد احمد

في السياسة، لا يكفي أن تكون قريبًا من مواقع القرار، ولا أن تتعدد المناصب التي تصل إلى دائرتك السياسية؛ فالمعيار الحقيقي هو كيف تُترجم هذه المكانة إلى حضور وخدمة ومواكبة للشأن العام.
تابعتُ باهتمام اجتماع الأهالي في الرشيد للتحضير للزيارة المرتقبة لوفد حزب الإنصاف ومنسقيته على مستوى الولاية، ولاحظتُ حجم الحضور والتحضير والتحسيس، وهو مشهد يستحق التقدير؛ لأنه يعكس حضورًا سياسيًا وتنظيميًا واستعدادًا لتحمل مسؤولية تمثيل المنطقة ومواكبة الاستحقاقات الوطنية.
وفي هذا السياق، يبرز مجتمع الرشيد وامتداداته داخل الولاية وخارجها، بقيادة الزعيم التقليدي وعمدة بلدية الرشيد (الواحات) أحمد ولد أج، بوصفه مكوّنًا اجتماعيًا وسياسيًا أثبت حضوره في أكثر من محطة، وظل قادرًا على تعبئة قواعده والتفاعل مع المناسبات السياسية والوطنية.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل:
هناك من يمتلك حظًا وافرًا من التمثيل والمواقع السياسية، لكنه لا يظهر بالقدر الذي تقتضيه هذه المكانة عند المحطات التي يفترض أن يكون فيها أكثر حضورًا.
فكلما كبرت حصة الجماعة من مواقع الدولة، كبرت مسؤوليتها تجاه الدولة والحزب والساكنة.
وهذا ليس تجريحًا لأحد، ولا تصفية لحسابات شخصية، وإنما سؤال سياسي مشروع: من يستفيد من مواقع التمثيل هل يواكب أيضًا الاستحقاقات السياسية، ويعبئ قواعده، ويحضر في الميدان، ويعكس صورة إيجابية عن الحزب والدولة؟
أما أن تُحصد المواقع عند الاستحقاق، ثم يضعف الحضور عندما يحين وقت العمل السياسي والتنظيمي، فهذه معادلة يصعب على الناس فهمها أو الدفاع عنها.
وفي المقابل، فإن ما ظهر من تحرك وتحسيس وتنظيم ومواكبة من طرف مجتمع الرشيد وامتداداته يؤكد أن القوة السياسية الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد المناصب، وإنما بقدرة المجتمع على الحضور حين تستدعي المسؤولية ذلك.
وهذه نقطة جوهرية: قد يكون موقعك السياسي كبيرًا، لكن حضورك في الميدان ضعيف؛ وقد لا تكون كل مفاتيح السلطة في يدك، لكنك تملك مجتمعًا حاضرًا، وقواعد متماسكة، وقيادة تعرف متى تتحرك وكيف تجمع الناس حول القضايا المشتركة.
ومن موقعي السياسي، أرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تعيد الاعتبار لهذا النوع من السياسة: سياسة الحضور، والوفاء، والمبادرة، والشراكة، بدل سياسة الاحتكار والانتظار الموسمي.
ولا أحتاج، في ذلك، إلى الإساءة إلى أي شخص أو تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة شخصية. فالاختلاف الحقيقي يكون مع المنهج والممارسة والنتائج، لا مع الأشخاص وأعراضهم.
والحكم في النهاية ليس لي ولا لغيري.
الميدان هو الحكم.
من حضر؟
من عبّأ؟
من واكب؟
من ظل قريبًا من الناس؟
ومن كان حاضرًا عندما احتاج الحزب والمجتمع إلى حضوره؟
هذه الأسئلة وحدها كفيلة بإظهار الفارق.
فالسياسة ليست في عدد المواقع التي نحصل عليها، وإنما في ما نصنعه بهذه المواقع من أثر.
ومن حصل على موقع باسم الناس، فعليه أن يتذكر أن الموقع تكليف قبل أن يكون تشريفًا، وأن كثرة الامتيازات ترفع سقف المسؤولية ولا تخفضه.
أما مجتمع الرشيد وامتداداته، فقد قال كلمته بالفعل: حين تكون هناك محطة وطنية أو سياسية جامعة، فإنه يعرف كيف يحضر، وكيف ينظم صفوفه، وكيف يجعل حضوره رسالة تتجاوز الأشخاص إلى المجتمع والوطن.
والسياسة في نهاية المطاف لا تُقاس بما يقال عنها في المجالس، بل بما يراه الناس في  الميدان