
أصدر الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد تقريرا تقييميا بمناسبة مرور عام على تأسيسه، استعرض فيه أبرز أنشطته خلال السنة الأولى، والإجراءات الحكومية المتخذة في مجال مكافحة الفساد، في ضوء التعهدات التي قطعها رئيس الجمهورية خلال مأموريته الثانية.
وأشاد التقرير بإصدار ثلاثة قوانين محورية لمكافحة الفساد، ونشر تقارير الهيئات الرقابية، والشروع في استكمال هيئات السلطة الوطنية لمكافحة الفساد، كما استعرض أنشطة الائتلاف، والتي كان من أبرزها تخليد اليوم العالمي لمحاربة الفساد 09 دجمبر 2025، بسلسلة من الأنشطة، تضمنت توقيع 14 حزبا سياسيا على ميثاق شرف لمحاربة الفساد.
وفي المقابل، رصد التقرير ثلاثة اختلالات جوهرية، أبرزها اتساع الفجوة بين تقارير الرقابة والمساءلة القضائية، مشيرا إلى انتهاء ملف 30 موظفا شملهم تقرير محكمة الحسابات دون إدانة أي منهم، وعدم إحالة أي من المشمولين في تقرير لجنة التحقيق بشأن احتراق محطتي الكهرباء إلى القضاء.
كما سجل التقرير غياب الربط الواضح بين النزاهة والاستحقاق في التعيينات والترقيات، واستمرار مظاهر لا تَحُولُ فيها شبهات المساس بالمال العام، دون تولي المسؤوليات والترقية.
وأكد الائتلاف في تقريره أن استمرار هذه الاختلالات قد يُحَوِّلُ الإجراءات القانونية والمؤسسية إلى خطوات شكلية، داعيا إلى ضرورة تحقيق أثر ملموس في حماية المال العام، وتعزيز المساءلة، وترسيخ النزاهة في الإدارة العمومية، معلنا عن استعداده للمساهمة في أي جهود جدية تطلقها الحكومة في هذا المجال.
-----
نص التقرير
تقرير تقييمي مختصر بمناسبة مرور عام على تأسيس الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد
في يوم 5 نوفمبر 2026، حلت الذكرى السنوية الأولى لتأسيس الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد، وهي مناسبة لاستعراض أبرز ما حققه الائتلاف خلال عام، وتقييم الإجراءات التي اتخذتها السلطات العمومية في مجال مكافحة الفساد، والتوقف مع الاختلالات التي لا يزال تصحيحها يشكل شرطا أساسيا لتحقيق نتائج ملموسة في مجال محاربة الفساد.
يأتي هذا التقرير التقييمي انطلاقا من قناعة راسخة لدى الائتلاف، مفادها أن محاربة الفساد ليست مجرد شعار سياسي، ولا مسؤولية حكومية فقط، وإنما هي معركة وطنية تتطلب إرادة سياسية جادة، ومؤسسات رقابية وقضائية فعالة ومستقلة، ومشاركة مجتمعية واعية ومنظمة.
لقد تأسس الائتلاف ليشكل فضاء للتوعية والرقابة المجتمعية، ولينبه على ما يرصد من اختلالات قد تعيق محاربة الفساد، وليكون ـ بالإضافة إلى كل ذلك ـ ظهيرا شعبيا ونخبويا للحكومة في جهودها في مجال محاربة الفساد، حتى وإن لم تعتبره الحكومة شريكا لها في تلك الجهود.
أولا: محاربة الفساد... التزام رئاسي ينبغي الوفاء به
لقد شكلت محاربة الفساد أحد أبرز الالتزامات التي تعهد بها فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، خلال حملته الانتخابية لمأموريته الثانية، وجدد التأكيد عليها في خطاب تنصيبه، بما يجعلها التزاما سياسيا معلنا يتعين تقييم السياسات العمومية على أساس مدى التقدم في تنفيذه.
ويمكن استحضار أبرز محطات هذا الالتزام من خلال ثلاثة مواقف رئيسية:
1. تعهد صريح في رسالة إعلان الترشح المنشورة يوم الأربعاء 24 أبريل 2024، حيث تعهد الرئيس بمواجهة الفساد بحزم، قائلا: "سنضرب بيد من حديد، ونواجه بكل قوة وصرامة كافة مسلكيات وممارسات الفساد والرشوة والتعدي على المال العام".
2. في افتتاح حملته الانتخابية يوم 14 يونيو 2024، أكد الرئيس أن محاربة الفساد لن تستثني أحدا، حيث قال: "لن يكون هناك مكان بيننا لمن يُصرُّ على مد يده للمال العام، كائنا من كان، ولن يُراعى في ذلك أي اعتبار".
3. تجديد الالتزام في خطاب التنصيب، ففي فاتح أغسطس 2024، جعل رئيس الجمهورية من محاربة الفساد مسؤولية وطنية جماعية، وذلك عندما قال: "الحرب على الفساد والرشوة وسوء التسيير حرب الجميع: حرب المنظومات الإدارية والقضائية، حرب أجهزة الرقابة والتفتيش، حرب النخبة من مثقفين وقادة رأي ومجتمع مدني وصحافة ومؤثرين اجتماعيين، ولا سبيل للنصر في هذه الحرب بنحو حاسم، إلا بتضافر جهود الجميع".
ثانيا: أبرز الإجراءات الحكومية المتخذة في مجال مكافحة الفساد
يسجل الائتلاف الوطني لمحابة الفساد بإيجابية عددا من الإجراءات والخطوات التي اتخذتها السلطات العمومية خلال السنة الأولى من المأمورية الثانية، والتي تمثل تطورا مهما في الإطار القانوني والمؤسسي لمكافحة الفساد، ومن أبرزها:
1. إصدار ثلاثة قوانين محورية في مجال مكافحة الفساد:
- القانون رقم 021/2025 المتعلق بمكافحة الفساد.
- القانون رقم 022/2025 المتعلق بالتصريح بالممتلكات والمصالح.
- القانون رقم 023/2025 المتعلق بالسلطة الوطنية لمكافحة الفساد.
2. نشر تقارير الرقابة والتفتيش: شهدت هذه الفترة نشر تقرير محكمة الحسابات وتقرير المفتشية العامة للدولة للرأي العام الوطني، كما شهدت كذلك نشر تقرير لجنة التحقيق الخاصة بملف احتراق محطتي الكهرباء في العاصمة نواكشوط، في خطوة مهمة نحو تعزيز الشفافية، وإطلاع المواطنين على نتائج أعمال الهيئات الرقابية ولجان التحقيق، وتمكين المجتمع من متابعة أوجه الاختلال في تسيير المال العام.
3. الشروع الفعلي في استكمال هيئات السلطة الوطنية لمكافحة الفساد.
ثالثا: حصيلة عام من عمل الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد
لم يكن تأسيس الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد مبادرة ارتجالية، وإنما جاء استجابة لحاجة وطنية عبر عنها طيف واسع من المهتمين بالشأن العام، خلال نقاشات موسعة حول سبل تعزيز المشاركة المجتمعية في مكافحة الفساد.
فخلال النصف الثاني من شهر أكتوبر 2025، نظمت مجموعة من الموريتانيين المهتمين بمحاربة الفساد يومين توعويين مفتوحين، استمر النقاش خلالهما ثلاث عشرة ساعة، وشهدا تقديم 90 مداخلة موثقة بالصوت والصورة. وشارك في هذه النقاشات علماء وخبراء ومنتخبون وإعلاميون وحقوقيون ونشطاء جمعويون، وانتهت النقاشات إلى توصية جامعة دعت إلى تأسيس تحالف أو جبهة أو ائتلاف وطني واسع لمحاربة الفساد، يساند جهود الحكومة في هذا المجال، ويساهم في خلق بيئة مجتمعية مناهضة للفساد.
واستجابة لهذه التوصية، أعلنت اللجنة المكلفة بالتأسيس، يوم 5 نوفمبر 2025، عن تشكيل الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد، خلال حفل رسمي شهد الإعلان عن هيئات الائنلاف التنظيمية الثلاث: المكتب التنفيذي، مجلس الإشراف والتوجيه، مجلس الخبراء.
وبعد شهر واحد فقط من الإعلان عن تأسيسه، تمكن الائتلاف من تنظيم أسبوع كامل من الأنشطة بمناسبة اليوم العالمي لمحاربة الفساد، وشمل هذا الأسبوع:
- المشاركة الفاعلة في الافتتاح الرسمي لليوم العالمي لمحاربة الفساد، يوم 9 ديسمبر 2025.
- تنظيم ندوة نقاشية حول دور الإمام في محاربة الفساد، أشرفت عليها الأمانة الدائمة للعلماء والأئمة.
- تنظيم حفل توقيع ميثاق شرف للأحزاب السياسية لمحاربة الفساد، وقعه 14 حزبا سياسيا من الموالاة والمعارضة، من بينها الأحزاب الأكثر تمثيلا في البرلمان، هذا فضلا عن توقيع ميثاق خاص بالمجتمع المدني، وميثاق شخصي لمحاربة الفساد.
- تنظيم ندوة نقاشية حول دور المجتمع المدني في محاربة الفساد، أشرفت عليها أمانة المجتمع المدني.
- تنظيم جلسة نقاشية حول قوانين مكافحة الفساد الجديدة، أشرفت عليها أمانة الشؤون القانونية.
وقد عكست هذه الأنشطة توجه الائتلاف نحو إشراك مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين في بناء جبهة وطنية واسعة ضد الفساد.
رابعا: اختلالات جوهرية تهدد جدية جهود مكافحة الفساد
على الرغم من أهمية الإجراءات القانونية والمؤسسية التي اتخذتها الحكومة، فإن الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد سجل وجود اختلالات جوهرية لا بد من معالجتها إذا كانت هناك إرادة حقيقية للانتقال من إعلان الحرب على الفساد إلى تحقيق نتائج ميدانية ملموسة.
ويرى الائتلاف أن استمرار هذه الاختلالات قد يحول الإجراءات المتخذة إلى مجرد إجراءات شكلية، لا تنعكس بصورة كافية على واقع التسيير العمومي، ولا تحقق الردع المطلوب.
1. فجوة واضحة بين الإجراءات المعلنة والأثر الفعلي في مكافحة الفساد
رغم صدور القوانين الجديدة، ونشر تقارير الرقابة والتفتيش، والشروع في استكمال الهيئات المختصة، فإن أثر هذه الإجراءات في الحد من الفساد لا يزال دون المستوى المأمول. فالمواطن لا ينتظر فقط قوانين جديدة وتقارير سنوية، وإنما ينتظر أن يلمس تحسنا حقيقيا في تسيير المرافق العمومية، وحماية المال العام، وإنهاء كل مظاهر سوء التسيير.
2. فجوة مقلقة بين تقارير الرقابة والمساءلة القضائية
هذه من أخطر الإشكالات التي سجلها الائتلاف، وتتعلق بوجود فجوة كبيرة بين ما تكشف عنه تقارير الهيئات الرقابية، وما يترتب عليه من إجراءات قضائية ومساءلة فعلية.
ويبرز هذا الإشكال بصورة واضحة في ملف الموظفين الذين شملهم تقرير محكمة الحسابات، حيث شمل التقرير 30 موظفا سجلت عليهم اختلالات تستوجب الإحالة إلى القضاء. حفظت النيابة الدعوى بحق 24 منهم، وأحيل الستة الباقون إلى السجن، قبل أن يصدر القضاء لاحقا أمرا بألا وجه للمتابعة بحقهم، لتنتهي الإجراءات، وفق هذه الحصيلة، دون إدانة أي واحد من المشمولين الثلاثين.
فكيف ينتهي ملف شمل 30 موظفا إلى صفر مدان؟ فإما أن يكون تقرير محكمة الحسابات غير مهني اصلا، فجاء بهذا العدد الكبير من المشمولين، أو أن تكون أحكام القضاء غير صارمة عندما برأت كل من شملهم تقرير محكمة الحسابات.
هذه الفجوة الكبيرة بين مضامين التقارير والإجراءات القضائية المتخذة ضد المشمولين في تلك التقارير، ظهرت كذلك بوضوح في تقرير اللجنة الخاصة باحتراق محطتي الكهرباء، حيث لم يحل إلى القضاء أي واحد من الذين ذكروا في التقرير، والشيء نفسه يمكن أن نقوله عن تقرير المفتشية العامة للدولة.
إن هذه الفجوة تستدعي مراجعة جادة لمسار التعامل مع تقارير الأجهزة الرقابية، والتحقق من أسباب التباين بين نتائج التفتيش والإجراءات القضائية التي تعقبها. فإذا كانت التقارير الرقابية تتضمن اختلالات غير مؤسسة بما يكفي، فإن ذلك يقتضي تعزيز مهنية أجهزة الرقابة، وإذا كانت الوقائع المرصودة تتضمن شبهات جدية تتطلب التحقيق، فإن المطلوب هو ضمان تعامل القضاء معها بجدية أكبر.
3. غياب ربط واضح بين النزاهة والاستحقاق في التعيينات والترقيات
سجل الائتلاف بقلق استمرار مظاهر لا تنسجم مع متطلبات بناء إدارة عمومية قائمة على النزاهة والكفاءة والاستحقاق. فمن الملاحظ أن وجود شبهات جدية تتعلق بالمساس بالمال العام لا يحول، في كثير من الأحيان، دون استمرار الموظف المعني في الوظيفة، بل والترقية في بعض الحالات، كما يلاحظ أيضا أن الاستقامة والابتعاد عن المال العام لا تضمن ترقية الموظف المشهود له بالاستقامة.
ويشكل هذا خللا بالغ الخطورة؛ لأنه يبعث برسالة سلبية جدا داخل الإدارة مفادها أن النزاهة ليست بالضرورة معيارا للتقدم المهني والترقية، وأن الشبهات المتعلقة بالمال العام لا تشكل دائما عائقا أمام تقلد المسؤوليات.
وفي الختام، فإننا في الائتلاف نؤكد من جديد القول: إن البرامج التنموية الكبرى، مهما بلغت أهميتها وحجم الموارد المخصصة لها، لن تحقق الغايات المرجوة منها ما لم تسبقها أو تصحبها - على الأقل - حرب حقيقية وجدية على الفساد، وسنبقى في الائتلاف على أتم الجاهزية للمشاركة في أي حرب جدية تقرر الحكومة خوضها ضد الفساد.
نواكشوط: 6 نوفمبر 2026
المكتب التنفيذي للائتلاف الوطني لمحاربة الفساد.
----
الصور المرفقة من الأرشيف ( حفل الإعلان عن الائتلاف )

.jpg)



